معجم مصطلحات السيكوسوماتيك

يشير مصطلح النفسي – الجسدي (السيكوسوماتي) الى الخلفية النفسية الكامنة وراء الاعتلال البدني او المشجعة لظهوره او لمعاودته. والاهتمام بهذه الخلفية (السببية) ليس حديثا او طارئا. اذ يعود الى افلاطون في مقولته الشهيرة:

“ان الخطأ الكبير لاطباء عصرنا هو أنهم يفصلون النفس عن الجسد لدى تصديهم لعلاج الجسم البشري. فطبيعة الجسد لا يمكن ان تكون مفهومة ما لم ننظر للانسان ككل” ويتوالى الاهتمام بهذه الخلفية على امتداد التراث الانساني حيث توقف عندها ابن سينا ليفرد لها فصلا خاصاً في قانونه وذلك وصولاً الى العصر الحديث اذ بدأ الاطباء منذ القرن التاسع عشر باعادة النظر في موقفهم من العلاقة بين النفس والجسد وبالتالي من هذه الخلفية. ولقد كان الطبيب فان دوش (Van Dush) اول من تخطى الثنائية الديكارتية (التي تفصل بين النفس والجسد) ليعلن عن نمط نفسي خاص بمرضى القلب في العام (1868) حيث وصفهم بأنهم يتكلمون بصوت عال وبأنهم يخوضون الصراعات المتركزة حول تدعيم سحرهم وسطوتهم. وكان هاينروث Heinroth قد اطلق مصطلح “سيكوسوماتيك” في العام (1818). لكن الاستخدام الدقيق للمصطلح تأخر لغاية العام (1922) على يد دوتش (F.Deutch). وقد كان لظهور التنويم المغناطيسي، وقدرته على شفاء العديد من الحالات المرضية – الجسدية، دور هام في اقناع الاطباء بالعلاقة بين النفس والجسد.s

هذا وتعود بدايات الدراسات السيكوسوماتية الموسعة الى فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى حين قامت شركات التأمين الاميركية بتمويل الابحاث السيكوسوماتية بهدف تجاري هو زيادة امكانياتها في تحديد الاشخاص المتعرضين لاخطار المرض. من هنا كانت الانطلاقة الاميركية للسيكوسوماتيك على ايدي فلاندرز دينبار (F. Dunbar) وفرانز الكسندر (F.Alexander). فانطلقت دينبار من منطلق براغماتي – ظواهري في حين ادخل الكسندر بعضا من المنطق التحليلي في نظريته.

لقد احتاجت هذه الدراسات الى ما يقرب الثلاثين عاما كي تعبر الاطلسي وتصل الى اوروبا لتلفت انظار باحثيها. لكن السيكوسوماتيك الاميركي لم ينجح في الحفاظ على مضامينه الاميركية لدى اصطدامه بالمنطلقات النظرية للمدارس النفسية الاوروبية. خصوصا وان هذه المدارس كانت تملك بعض الارهاصات الاولية والمقدمات حول العلاقة بين النفس والجسد. وهكذا كانت مبادئ السيكوسوماتيك الواردة من وراء الاطلسي، هي التي حددت تقسيم السيكوسوماتيك الاوروبي الى تحليلي والى نفسي – عيادي والى طبي – نفسي والى دوائي. ثم امتد السيكوسوماتيك عبر اوروبا ليصل الى روسيا التي كانت تهيمن عليها ابحاث بافلوف (Pavlov) ليتحول الى السيكوسوماتيك الفيزيولوجي الذي ما لبث ان وجد دعمه من قبل النظريات الفيزيولوجية الغربية. ثم جاءت في النهاية التطورات الحديثة في الميدان لتترك اثرها على السيكوسوماتيك كما على علم النفس والطب النفسي بصورة عامة.

لقد اغنت هذه التعددية الرؤية السيكوسوماتية لكنها منعتها من التحول الى اختصاص متفرد. فالسيكوسوماتيك لم يصل بعد الى التفرد كاختصاص مستقل ضمن اختصاصات العلوم النفسية بل بقي ميدانا لملاحظة ودراسة وعلاج العلاقة بين النفس والجسد. كما بقي المجال مفتوحا لمجمل المدارس والتيارات النفسية كي تطبق مبادئها ونظرياتها في هذا الميدان.

ولا بأس هنا من تعداد بعض النظريات المؤثرة في ابحاث السيكوسوماتيك المعاصرة ومنها: نظرية شيلي* ونظرية كانون* ونظرية مارتي* ونظرية زيور* ونظرية علي*… الخ.

هكذا افتقد مصطلح السيكوسوماتيك تعريفه الدلالي الدقيق واحتفظ بمعناه الحرفي أي النفسي – الجسدي ومن هنا كان اختيارنا للعنوان: “معجم الطب النفسي – الجسدي”. وللسبب عينه لم يصدر أي معجم سيكوسوماتي في الغرب لان الاشكالية انما تبدأ من العنوان حيث لمصطلح “سيكوسوماتيك” دلالات مختلفة باختلاف النظريات. لذلك آثرنا التخلي عن المصطلح وابدلناه بترجمة عربية تخرجنا من اطار هذه الاشكالية فاستعملنا “النفسي – الجسدي” لكن القارئ يلاحظ اننا لم نتخلَّ عن المصطلح المعرب (السيكوسوماتيك) في سياق شرحنا لكل نظرية على حدة. كما يلاحظ القارئ اننا استخدمنا مصطلحا منحوتا من نفسي – جسدي هو مصطلح” نفسدي” وهو مصطلح لم يستسغه العديد من الزملاء العرب. لكننا وجدنا ان ضرورته حيوية. ذلك ان تصنيف بوس (Boss) للامراض النفسدية* قد اخرج اضطرابات عديدة من دائرة الامراض السيكوسوماتية فاستخدمنا مصطلح نفسدي للامراض التي ادرجها بوس في تصنيفاته.

ثم لتلك التي اضافها بيار مارتي الى هذه الامراض (التصنيف النفسدي*).

ان الفوضى الدلالية لمصطلح “سيكوسوماتيك” تتضخم بفوضى تعدد الترجمات العربية لهذا المصطلح بما من شأنه ان ينعكس بضلالات حقيقية وبإرباكات معقدة لدى القارئ العربي فمن “سيكوسوماتيك” الى “نفسي – جسدي” و”نفسي – جسمي” و”نفسي – بدني”… الخ يجد القارئ العربي نفسه تائها بين هذه الترجمات وبين الدلالات الحقيقية لاصلها. خصوصا وان اختلاف الدلالات لم يقف عند حدود النظري بل هو تعمق لغاية العملي والتطبيقي. حيث تتعدد تسميات الاضطراب الواحد وتختلف من مدرسة الى اخرى. فما يسميه المحللون بالحزن غير المستنفد يسميه آخرون بالانشطار الحيوي* (Schizokinésie) وغيرهم بالتكتم* (Alexythymie) في حين يميل آخرون لتسميته بالانهيار المقنع* بينما يصر بعضهم على اعتباره مظهراً تحسسياً منتمياً للعياء* (النوراستانيا)… الخ.

وهنا نصل الى السؤال: وسط هذه التعددية هل يستطيع هذا المعجم تكوين هوية خاصة به؟ ان الهوية التي يمكن ان نعطيها لهذا المعجم هي هوية التراكمية في حقل من الحقول النفسية. ففي رأينا الشخصي ان معجم السيكوسوماتيك لا يستقل بهوية ذاتية ما لم نتوصل الى تعريف المرض اولاً. فهل نقبل تعريف كوبي (Kubie) اذ يقول: “ان الصحة هي حالة نادرة غير مرضية” ام نعتمد تعريف لوريش (Le Riche) القائل: “ان الصحة هي الحياة مع صمت الاعضاء” ام نميل الى تعريف مارتي (Marty) القائل: ان الصحة هي نتاج التوازن النفسي – الجسدي” ام غير ذلك من التعريفات؟.

ان عملنا بهذا المعجم اعتمد على تصنيف ظواهري للمرضى وهو يقول بأنهم يقسمون الى ثلاثة انواع: 1 – المريض المعاني من اصابة (تشريحية او نسيجية او بيوكيميائية) مشخصة وفق التصنيفات الطبية – التقليدية حيث يجب على السيكوسوماتيك ان يجهد لتسخير كافة امكانيات العلوم النفسية لدعم العلاج الطبي لهذه الحالات و2 – المريض الذي يراجع الاطباء بسبب شكاوى صحية لا تثبت لها اية اسباب طبية موضوعية تسمح بتشخيصها. وفي هذه الحالات يفترض ان يلعب السيكوسوماتيك دورا تشخيصيا – تفريقيا بين عدة احتمالات. منها ان تكون هذه الشكاوى مقدمة لظهور احد الامراض او الاصابات العضوية (معروفة كانت ام مجهولة في التصنيف التقليدي). او ان تكون لهذه الشكاوى طبيعة هيستيرية (بحتة او متمازجة مع اضطرابات سيكوسوماتية) او ان تكون ذات طبيعة عيائية (نوراستانية) أو أن تكون ناجمة عن عوامل خارجية (مصادر للشدة النفسية او عوامل تسممية) و3- المريض المصاب فعلا باضطراب عضوي ولكن بصمت ودون مظاهر تستدعيه لمراجعة الطبيب. وهنا يتدخل السيكوسوماتيك عن طريق اقتراحاته للانماط السلوكية المشجعة لظهور بعض الامراض (الاحتشاء القلبي، القرحة، الاضطرابات الهضمية والغددية، الهرم المبكر، السرطان… الخ).

هذه التفريقات هي التي اعطت لهذا المعجم هويته فكانت ضرورة تضمينه لمختلف النظريات النفسية التي اهتمت بعلاج المرضى الجسديين، ولكي نتخلص من الصراعات النظرية القائمة بين هذه النظريات كان اختيارنا لمصطلح “النفسي – الجسدي” عنوانا لهذا المعجم.

ولكن هل احاط هذا المعجم فعلا بكافة هذه الآراء؟. اننا لا نستطيع ادعاء مثل هذه الاحاطة. فقد كان جل هدفنا هو عرض هذه الآراء والنظريات المتواجدة في مجال تطبيقي محدد. فمن اراد التعمق بأية منها فان عليه الرجوع الى المصادر الاساسية لكل نظرية او مدرسة من المدارس المعروضة في هذا المعجم وهي على وجه التحديد مدارس: التحليل النفسي والعلاج الجسدي والسلوكية الحديثة والسلوكية – المعرفية وبالينت ومعاداة الطب النفسي والفيزيولوجية والغددية والعصبية والبيوكيميائية.

ويسعدني ان اتوجه بالشكر الى الاساتذة والزملاء الذين لم يكن لي ان اتم هذا العمل بدون مساعدتهم وفي مقدمتهم بيار مارتي (مؤسس مدرسة باريس للسيكوسوماتيك) واليزابيت موسون (رئيسة معهد الدراسات النفسية العليا في اكاديمية بودابست) وميهاي آراتو (جامعة هاميلتون – كندا) وزولتان ريمير (الباحث في المعهد الوطني للطب النفسي – المجر) وآني ريشكو (رئيسة الجمعية العالمية للعلاج بالحركة) وميهاي او تسويو (الباحث في معهد امراض القلب – رومانيا) وجاك واينبرغ (مدير معهد الطب الجنسي – باريس) بالاضافة الى مؤلفي المراجع التي استعنت بها في اعدادي لهذا المعجم واخص بالذكر منهم المعجميون العرب: فرج عبد القادر طه وسليم عمار وأنور الجراية واحمد ذياب.

في النهاية اوجه هذا المعجم الى الاطباء، بكافة اختصاصاتهم، الذين يراعون في ممارستهم مبدأ النظر للانسان ككل متكامل مدركين احتمالات تجسيد الانفعالات النفسية وتورطها العضوي. كما اوجهه الى المتخصصين في مختلف فروع وميادين علم النفس ممن لا يهابون التصدي للصخرة البيولوجية التي غالبا ما تعترض سبيلهم في التعمق بمعرفة تداخلات وتعقيدات العلاقة بين ما هو نفسي وما هو جسدي. انه الامل في تقديم اضافة حقيقية لمكتبتنا العربية.

والله ولي التوفيق

طرابلس في 15/2/1966

لتحميل الكتاب من 4shared.com

او

لتحميل الكتاب مباشرة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: